أتعبنا التفكير، وأرهقتنا المشاهد التي تتكرر أمام أعيننا من فظائع وجرائم تنطلق من مدينة الفاشر، تلك المدينة التي كانت يومًا مهدًا للسلام، وصارت اليوم عنوانًا للمأساة. ولكن ماذا تتوقعون من رجلٍ لم ينتسب في حياته لأي كلية عسكرية، وكان في ماضيه قاطعَ طريقٍ، وسارقَ حميرٍ، ورجلًا لم يعرف في حياته سوى القتل والنهب والتدمير؟ فإذا كان هذا “ربّ البيت” على هذا النحو، فماذا نتوقع ممن هم دونه؟
ما ذنب الشعب السوداني أن يُقحم في هذه المعمعة اللاإنسانية؟ كم من الأرواح البريئة زهقت لمجرد أطماعٍ شخصية أو قبلية؟ إلى متى يكفُّ نافخوا الكير عن التدخل في شؤون هذا البلد الذي كان يُعرف يومًا بـ”سلة غذاء العالم ” لخصوبة أرضه وغنى موارده، بينما شعبه اليوم يتضور جوعًا ويُقتل بدعوى “فزاعة الإخوان” الذين خبا بريقهم منذ زمن؟ أليس من الأجدر أن نحكم العقل، خصوصًا أولئك الذين يتجاهلون الأرواح البريئة التي أُزهقت ظلمًا وعدوانًا؟
الكلمة أمانة، فهل نحن على قدرها؟ أم تسيرنا الأجندات والمصالح الرخيصة؟ إلى متى تستمر هذه الحرب التي لا معنى لها؟ أليس في هذا القوم من رشدٍ أو بصيرة؟ ورغم كل ما يحدث، نحن السودانيين نقف صفًّا واحدًا خلف جيشنا الوطني الذي يحمي الوطن ولا ينسحب تاركًا شعبه للعراة والعذاب.
فالجيوش الوطنية المخلصة لا ترضخ لمحاولات الانقسام، طالما بقي الطرف الآخر متمردًا ومسلحًا. لقد شاهدت واحدة من أسوأ المناظر في حياتي؛ ما كنت أتصور يومًا أن أرى إنسانًا يذبح إنسانًا كما يُذبح الخروف، بل ربما كان الخروف أرحم حالًا! يُقتَل الإنسان بوحشيةٍ، ويُكبَّر ويُهلَّل بعد ذلك وكأن شيئًا لم يكن! إن هذا الأسلوب الوحشي ليس تصرفًا فرديًا، بل نهجٌ متجذّر في المجموعة التي تُسمّى بـ”قوات الدعم السريع”.
الفارق أن المدعو “أبولولو” يوثّق جرائمه بالصوت والصورة، بينما غيره يرتكبها في الخفاء. وحتى الآن، لم تتجرأ أي جهة على تصنيف هذه القوة كـ”مليشيا إرهابية”، لأن هناك دولًا تستفيد من وجودها، وتسخّر نفوذها لحمايتها خدمةً لمصالحها.
يقتلون المدنيين، ويغتصبون النساء، ثم يشكرون الإمارات ومحمد بن زايد! أنا اليوم لدي عدوٌّ واحد، وهو ما يُسمّى بـ”قوات الدعم السريع”، وكل من يساندها فهو عدوّي الأول. لقد ذُبح المواطنون من الوريد إلى الوريد كما تُذبح الشاة. أتستطيع أيها الإنسان أن تتخيل كيف يمكن أن نعيش مع هؤلاء الملطخين بدماء الأبرياء؟ ثم يأتي من يسأل: من أشعل الحرب؟ وهل الحقيقة الخفية هو التنافس بين المعسكرين الشرقي والغربي قد تجاوز حدود الدبلوماسية، لكي تتحول الفاشر إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات الجيوسياسية. فبينما تسعى بعض الدول إلى تأمين نفوذها على سواحل البحر الأحمر، يرفض المعسكر الغربي أي حضورٍ متزايدٍ للشرق في تلك المنطقة الحيوية، لتصبح دماء المدنيين وقودًا لصراعٍ لا مكان فيه للعاطفة أو القيم الإنسانية.
ما تنقله وسائل التواصل الاجتماعي من صورٍ ومقاطع مصوّرة لا يُظهر إلا القليل من الواقع، فالمأساة على الأرض أعمق وأكثر إيلامًا مما يُنشر. مشاهد القتل والدمار التي بثّتها حسابات قوات الدعم السريع تُظهر بوضوح وحشية المعارك، وتعيد إلى الأذهان صور الحروب التي خلّفت وصمةً في جبين الإنسانية. وهنا أطرح سؤالًا على من ينادون بقول “لا للحرب”: هل جربتم مرارة ما ذاقه أهل الفاشر؟ هل عشتم بين هؤلاء الجهال لتعرفوا ما نعانيه؟ نحن لا نستطيع أن نعيش مع الجنجويد، ولن نعيش معهم، وسيبقى نضالنا ممتدًّا إلى الأبد.
نحن أبناء الفاشر متيقنون أن المدن لا تموت في قلوب أهلها. سنعود، وستعود الفاشر بإذن الله. كل دربٍ مشت فيه أقدامنا، كل زاويةٍ احتضنت ضحكاتنا، وكل صباحٍ كنا نستيقظ فيه على صوت الحياة، ما زالت تنتظرنا كما ننتظرها. بيننا وبين مدينتنا وعدٌ غير مكتوب؛ وعدٌ باللقاء، ووعدٌ بالعودة. الفاشر ستبقى صامدة، الرحمة والمغفرة لشهدائها، والشفاء العاجل لمصابيها، والعودة الحميدة لمفقوديها.
والحقيقة التي لا تقبل الزيف هي أن الدعم السريع حاقد على المواطن والدولة أكثر من أي تمرّدٍ مضى. حتى الآن، قُتل معظم سكان الفاشر، ومن حاول النزوح نال المصير نفسه.
الرسالة واضحة: أنت كمواطن سوداني مستهدف من قبل المليشيا.
أيها الأهل والأحباب في كل أنحاء العالم، إن المصيبة عظيمة، والحزن عميق، ولكن الاحتساب واجب، والصبر أجمل وأوجب. هكذا هي الدنيا، تمضي أيامها كما كتب الله لها. الألم كبير، والفقد موجع، لكن الله أعظم، وبرحمته نستمد القوة والثبات. وما علينا اليوم، بحقٍ وحقيقة، إلا أن نعيد تموضعنا وتمركزنا، وأن نوجّه أنظارنا جميعًا نحو قضيتنا الجوهرية: قضية الاتحاد والتماسك صفًّا واحدًا، ويدًا بيدٍ، متكاتفين ومتآزرين بجميع مكونات قبائلنا في دارفور، لمواجهة الخطر الحقيقي الذي يهدد وجودنا منذ بدايات الألفية وحتى اليوم، ذلك الخطر المتمثل في ميليشيات الجنجويد تحت مسماها الجديد: “قوات الدعم السريع”.
إنها اليوم قضية بقاء ووجود، لا مكان فيها للتفرقة أو التشتت. فبدون اتحادٍ لا وجود لنا، وبدون قضيةٍ لا يجمعنا اتحاد. فاصبروا صبرًا جميلًا، والله المستعان على ما نلقى وما نصف.
ويبقى السؤال قائمًا: وماذا بعد الفاشر يا سيادة الفريق عبدالفتاح البرهان؟ هل يأتي الدور على الشمالية؟ أم على الأبيض؟ أم على النيل الأبيض؟ ولا خير فينا إن لم نقل هذه الحقائق. فالكلمة موقف، والموقف هو أول الطريق نحو النجاة.
