تتجلى أمامنا معضلة العقلية التي تدير السلاح وتتحكم في مصائر الناس – قوات القتل السريع. ما نراه اليوم من سلوك قوات الدعم السريع ومن يقف خلفها ليس إلا انعكاساً لعقلية عاجزة عن إدارة نفسها، فضلاً عن إدارة وطن كامل. وأجزم بل وأبصم أنهم لو حاولوا إدارة دكان صغير في أحد الأحياء لما استطاعوا ضبطه أو الحفاظ على استمراريته، فكيف يُتصوَّر أن يقيموا دولة مؤسسات ودولة قانون وعدالة؟ في دولة مثل السودان!!
لقد سبقتهم إلى الحكم الحركة الإسلامية، وكانت ؛على ما لها وما عليها؛ أكثر تنظيماً وفهماً واستيعاباً لمفهوم الدولة من هذه الجماعات. ومع ذلك، فشلت هي الأخرى في بناء دولة العدل والنهضة. فكيف لمن هم أقل وعياً وخبرة، وأكثر انفلاتاً وعنفاً، أن ينجحوا في ما عجز عنه غيرهم؟
العقل الذي لا يرى إلا الحقد، ولا يسعى إلا لسفك الدماء حتى من أجل خلاف تافه، لا يمكن أن يؤسس دولة مستقرة. وإذا افترضنا أنه نجح في إقامة سلطة، فلن تكون سوى “دولة ظلم” سرعان ما تنهار، لأن الظلم قصير العمر بينما العدل وحده ما يدوم.نحن نعرف تماماً هذه الفئات التي تمارس العنف، فهم في حقيقتهم حثالة المجتمع، والفرق بيننا وبينهم أننا أبناء المدن المثقفة التي اختبرت معنى المدنية، وتذوقت طعم التعليم، ووعت أن بناء الوطن يحتاج إلى فكر راقٍ وإرادة حقيقية للإصلاح، بينما هم ما زالوا غارقين في عقلية البداوة، يركبون موجة العصبية، ويؤمنون بقانون القوة لا قانون العدالة.
إن بناء الأوطان لا يبدأ من فوهات البنادق، بل من غرس بذور العدل قبل وضع حجر الأساس، ومن صون كرامة الإنسان قبل حماية الحدود، ومن تجريم الكراهية قبل محاربة الخصوم، ومن الحفاظ على الأمانة قبل طلب الولاء. يجب أن يوضع كل شخص في مكانه الصحيح، وأن تُحارب العنصرية، وتُبذر المحبة، ويُبنى السلام، لأن السلام وحده هو الذي يضمن استقرار السودان ونهضته. وهذه القيم، بكل أسف، لا تعيها قوات الدعم السريع ولا من يقف وراءها.
نسأل الله أن يرفع البلاء عن أهل السودان، وأن يجعل خوفهم أمناً، ومعاناتهم راحة، وأن يعيد إلى هذه الأرض الطيبة قيم العدالة، والمحبة، والسلام.
