تأملات في ظاهرة جديدة على وسائل التواصل الاجتماعي
بعد أن صار العالمُ قريةً صغيرة، لم تعد الظواهر الاجتماعية حبيسة الأحياء والأسواق، بل صارت تنتشر كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي، تصنع الرأي العام وتؤثر على الوعي الجمعي، خاصة لدى الشباب. غير أن ما نشهده اليوم من محتوى يقدمه بعض حواء السودان يثير القلق أكثر مما يبعث على الفخر.
إن المتأمل في مقاطع الفيديو والرسائل المتداولة لا يسعه إلا أن يتساءل: هل هذه هي الصورة التي نريد أن نقدمها عن بناتنا للعالم؟ هل هذه الممارسات من ضحك مبتذل، وعبارات خارجة عن الذوق العام، واستعراضات لا تحمل أي قيمة فكرية أو أخلاقية، تمثل فعلاً طموح أمة عريقة كسوداننا؟
لقد كان المجتمع السوداني، منذ القدم، مثالاً للقيم الرفيعة والحياء والرصانة، وكانت المرأة فيه رمزاً للحكمة والصبر والعقل الرشيد، لا مادة للسخرية أو أداة لجذب المشاهدات. ما نراه اليوم يفرض علينا وقفة جادة وتأملاً عميقاً: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ وأي تربية، وأي إعلام، وأي فراغ روحي سمح لهذه الظواهر أن تنتشر بهذا الشكل؟
قد يذهب البعض إلى القول إن الحل هو في العودة إلى الانضباط الاجتماعي الصارم، وأنه لا بد من تفعيل القوانين والأعراف التي تضبط السلوك العام، حتى لو كان ذلك مجازياً بـ”العنج والعكاز”. لكن بين التشدد المفرط والانفلات المخل، هناك مساحة واسعة لإصلاح عقولنا وأذواقنا بالحوار والتربية والتعليم.
الحل ليس في القمع ولا في ترك الحبل على القارب، بل في صناعة وعي جديد، وفتح مساحات للنقاش المسؤول، وتشجيع المحتوى الراقي الذي يجمع بين الترفيه والفائدة. الحل في أن نعيد إلى الأسرة والمدرسة دورهما في غرس القيم، وأن نقدم قدوات حقيقية لشبابنا، لا قدوات مصنوعة على عجل لأجل “الترند”.
إن سؤال “هل هؤلاء قدوة حسنة؟” يجب أن يكون سؤالاً جماعياً، لا موجهاً إليهم وحدهم، بل إلينا نحن جميعاً: المجتمع، الأسرة، الإعلام، وحتى صناع السياسات الثقافية. إذا كنا نريد جيلاً يبني ولا يهدم، يرفع اسم السودان ولا يسيء إليه، فلا بد أن نكون نحن القدوة قبل أن نطالب الآخرين بالاقتداء بنا.
