كثيرًا ما يتعرض المرء لمحاولات تشويهٍ متعمدة من قِبَل العامة، إذ يسعى بعضهم إلى النيل من سمعته بشتّى الطرق. غير أن مثل هذا التشويه، في جوهره، ليس إلا انعكاسًا لتفوّق ذلك الإنسان وسموّه على من يرمونه بالتهم، وكأنهم يحاولون إطفاء نورٍ يزداد إشعاعًا كلما أُحيط بالعتمة.
لقد أصبح القيل والقال، ورمي الناس بالباطل، جزءًا من المشهد الاجتماعي اليومي، حتى باتت الغيبة والنميمة عادةً لا يستنكرها كثيرون، وكأنها سلوك عابر لا يحمل وزرًا أخلاقيًا أو دينيًا. ومع ذلك، فإن خطورة هذا الانحدار تكمن في أننا لا ندري إلى أي هاويةٍ نمضي، ما دمنا قد فقدنا البوصلة الأخلاقية التي تُوجّه كلامنا وأحكامنا. إن السمعة (تلك الصورة التي تُرسم عن الإنسان) قد تُختصر أحيانًا في لحظةٍ من ماضيه، لا في حاضره، ولا في جهده المضني لبناء ما هو أفضل.
كثيرون لا يُدركون أن البشر يتغيرون ويتطورون، وأن الماضي لا يختزل جوهر الإنسان، بل قد يكون مجرد محطة عبرها نحو النضج. لكن، للأسف، يظل بعضهم أسرى لذكرياتٍ قديمة، يطلقون منها سهام أحكامهم، خالين من أي مشاعر أو إنصاف. ولقد صدق الأوّلون حين قالوا: (التمس لأخيك سبعين عذرًا)، بل إن بعضهم ذهب أبعد حين أكد: (ولو زاد على السبعين، لالتمست له.) في هذا القول حكمة عميقة تدعونا إلى التماس الأعذار للآخرين بدلًا من محاكمتهم بلا بيّنة.
غير أن الواقع يُخبرنا أن كثيرًا من الناس لا يلتفتون إلى الأعذار، بل يقفون مترصدين، ينتظرون زلّةً واحدة لتهدم في أعينهم صروحًا شُيّدت بعرق وجهد سنوات. في المقابل، هناك من يسمو فوق هذه النظرة الضيقة، فيتجاوز عن الهفوات بدافع المحبة والإنسانية، مدركًا أن الخطأ جزء من الطبيعة البشرية، وأن العظمة الحقيقية تكمن في الغفران لا في الانتقام. فالعلاقات لا تُبنى على مراقبة الزلات، بل على صون المودة، وإحياء روح التسامح، وحفظ القيم الإنسانية التي تجعل للإنسانية معنى.
الخاتمة:
إننا حين نجعل للإبداع روحًا، وللجمال نبضًا، فإنما نُعيد الاعتبار للإنسان وقيمته، بعيدًا عن صخب القيل والقال. فالإبداع يجمع القلوب كما تجمع الكلمة الطيبة الأفئدة، والجمال يفتح النوافذ للضياء مهما اشتدت غيوم الظنون. وهكذا يبقى الإنسان بقيمه وأخلاقه أكبر من كل تشويه، وأبقى من كل زلة عابرة.
