على خشبة مسرح للسياسة والسلطة لواحدة من دولنا العربية التي تتصارع فيها مفاهيم الشرعية وتتجادل بين الحق الإلهي والإرادة الشعبية. وتقف عند الحاكم المستبد فكرة “الوحي الإلهي” كأحد أكثر الأسس إثارة للجدل في بناء شرعية الحكم، إنها لحظة مفصلية في تاريخ المجتمعات، عندما ينتقل الحاكم من دائرة المحاسبة البشرية إلى فضاء الادعاء بالمصادقة السماوية، في رحلة تمتزج فيها الميتافيزيقا بالسلطة، والمقدس بالدنيوي.
وبقراءة متأملة لرقصة الشرعية الثلاثية بعين الفيلسوف (ماكس فيبر)في تصنيف الشرعية، لا نجد مجرد تقسيم أكاديمي، بل نكتشف ثلاثة عوالم متوازية تتعايش في كينونة الدولة. فالشرعية التقليدية هي النهر الهادئ الذي يجري عبر سهول التاريخ، يحمل في تياراته أثقال الأجيال وتراكمات الماضي، إنها سلطة المألوف والمعتاد، حيث يخيم ظل الأسلاف على الحاضر، ويكون الوزن الثقافي للعرف هو الحكم والفصل، هنا، السلطة ليست بحاجة إلى تبرير، لأنها أصبحت جزءاً من نسيج الوجود اليومي، مثل فصل الشتاء الذي يتبع الخريف.
والشرعية الكاريزمية تشبه النيزك اللامع الذي يثقب ظلمة السماء فجأة، إنها قوة الشخصية الاستثنائية التي تخطف الأبصار وتأسر القلوب، وهنا يتحول الحاكم إلى أسطورة حية، تسبقها سمعتها وتلحقها هيبتها، لكنها كالنيزك – قد تختفي كما ظهرت، غير أنها تتحول إلى مؤسسة قادرة على تجاوز لحظة الولادة. بينما الشرعية العقلانية القانونية هي عالم النور الاصطناعي المنتظم، حيث تحل القواعد المجردة محل الأشخاص، وتصبح المؤسسات هي الحاكمة لا الأفراد، وهنا السلطة ليست في شخص الحاكم، بل في المنصب الذي يشغله، والدستور الذي يقسم عليه، والمؤسسات التي تحاسبه، إنها شرعية العقل المجسد في قوانين ومؤسسات.
والذروة المأساوية للشرعية الكاريزمية عندما يدعي الحاكم الوحي والإلهام الإلهي، فإنه لا يضفي على نفسه هالة من القداسة فحسب، بل ينقل صراع السلطة من المستوى الأفقي البشري إلى المستوى العمودي الميتافيزيقي، وهنا يتحول الحاكم من مجرد شخص ذي كاريزما استثنائية إلى وسيط بين السماء والأرض، بين الإلهي والبشري.
وفي هذه اللحظة بالذات، ينتقل النظام السياسي من حالة يمكن فيها النقاش والحوار والمحاسبة، إلى حالة يصبح فيها أي نقد للحاكم مساً بالمقدس، وأي معارضة هي خروج على الإرادة السماوية، إنها القفزة النوعية التي تحول السياسة من فن الممكن إلى عقيدة مقدسة، ومن مجال للاجتهاد البشري إلى تنفيذ لإرادة إلهية بهذا الادعاء، يعلن الحاكم انفصاله عن دائرة المحاسبة البشرية، ويضع نفسه في فضاء لا تحكمه قواعد المنطق ولا معايير المساءلة الدنيوية، ويصبح النقد ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل خروج عن “الحق الإلهي” الذي يمثله الحاكم.
إنها الذروة المأساوية في مسيرة الشرعية الكاريزمية، حيث تتحول الشخصية الاستثنائية إلى وسيط مقدس، وتنتقل السلطة من مجال الاجتهاد البشري إلى دائرة الامتياز الميتافيزيقي، في رحلة تخفي وراءها أسئلة وجودية عن طبيعة السلطة وحدود الشرعية ومصير المجتمعات التي تقبل بهذه المعادلة المستحيلة. التاريخ يذكرنا بأن السلطة عندما تلبس ثوب القداسة، وتدعي الانتماء إلى العالم العلوي، فإنها غالباً ما تفقد ارتباطها بالعالم السفلي – عالم البشر وآلامهم وتطلعاتهم وآمالهم.
وفي المسرح المعاصر للدول والأمم، تشهد حقبةُ العصر الحديث فصولاً مأساوية جديدة لتجاربَ سياسية تحاول عبثاً خلقَ علاقة بين السماء والأرض، بين المقدَّس والزمني، في محنة المزاوجة القسرية عندما يتحول الدين إلى أداة قمع وتخلف، إنها محاولاتٌ لصبَّ الدين في قوالب سياسية ضيقة، تحوِّله من رسالة روحية تحرر الإنسان إلى أيديولوجيا تسعى لاستعباده..
وهذه التجارب التي تسعى لاختطاف المقدَّس وتوظيفه لخدمة الزمني، سرعان ما تتحول إلى كيانات هشَّة تعاني من عديد من الأمراض العضال؛ كالاقتصاد الذي يختنق تحت وطأة الأيديولوجيا، حين تتحول الدولة من فضاء للإنتاج والإبداع إلى منصة للخطاب الأيديولوجي، ويسقط العقل الاقتصادي أمام عواطف السياسة، وتتدمر أسس الاقتصاد المنتج لتحل محله اقتصاديات الريع والامتياز، وتتراجع الاستثمارات ويهرب رأس المال لغياب الشفافية وسيادة القانون، حيث تذبل روح المبادرة ويضمحل الإبداع تحت سطوة الخطاب الأيديولوجي الفارغ، وتصبح الدولة كتاجر يحاول البيع في سوق العالم وهو معصوب العينين، يتخبط بلا رؤية ولا بوصلة. وكذلك من تلك الأمراض السرطانية ذلك النسيج الاجتماعي الممزق، حيث يتحول المجتمع من نسيج متعدد الألوان إلى رقع متنافرة، ويسود منطق “إما معنا أو ضدنا”، وتذوب روابط المواطنة في بحر من الولاءات الضيقة، ويتحول الجيران إلى خصوم، والشركاء في الوطن إلى أعداء، وتصبح الهوية سجناً بدلاً من أن تكون فضاء للانتماء، ويتحول الدين من عامل توحيد إلى أداة تفريق..
أما المرض النازف للروح والمتمثل في هجرة العقول والكفاءات؛ فتشهد هذه الدول نزيفاً مزمناً لأفضل عقولها وأكثرها إبداعاً، بحثاً عن بيئات أكثر انفتاحاً، فكما تهرب الطيور من الغابة المحترقة، يهرب المبدعون من الأجواء الخانقة، وتتحول مراكز الإبداع إلى ساحات للتبعية والتملق، ويصبح الانتقاد النزيه تهمة، والتفكير الحر جريمة، فتفرُّ العقول إلى حيث يُسمع صوتها، ويُقدَّر عطاؤها. هنا تصبح العزلة الدولية والانكفاء على الذات كحجر صحي مفروض على الدولة، وتتحول من شريك في الحضارة الإنسانية إلى جزيرة معزولة، ترفض العالم ويرفضها، وتصبح العلاقات الدولية ساحة للشك والاتهام، بدلاً من أن تكون مجالاً للتعاون والتبادل، فتتقلص مساحات الحوار، وتضيع فرص التقدم. وفي النهاية، تتحول هذه النظم إلى تبني نظرية المؤامرة منهجاً لتفسير إخفاقاتها، فبدلاً من مراجعة الذات، يتم إلقاء اللوم على قوى خارجية خفية، ويصبح “الآخر” شماعة تُعلق عليها أخطاء الذات، ويتحول النقد البناء إلى “خيانة”، والفشل الداخلي إلى “مؤامرة خارجية”.”
وهكذا تتحول تجربة المزاوجة القسرية بين الدين والشرعية السياسية إلى سردية مأساوية، حيث يخسر الدين نقاءه الروحي، وتخسر السياسة عقلانيتها العملية، ويخسر المجتمع توازنه وتماسكه، إنها رحلة تنتهي عند منعطف مظلم، حيث لا قداسة حقيقية ولا سياسة رشيدة، بل بقايا دولة محطمة، ومجتمع ممزق، وروح جماعية مثقلة بالإحباط والخيبة.
في الختام، فإن الخلاصة الوجودية تقف على حافة الهاوية الفلسفية التي تواجهها الدولة التي تختار أن تبني شرعيتها على ادعاءات الحق الإلهي، إنها معاناة وجودية في عالم يتحول بسرعة من حولها، كشجرة ضخمة تجذرت في تربة الماضي بينما تحاول أن تظل واقفة في عاصفة الحداثة. وهذه الدولة تشبه سفينة تائهة في محيط العصر، تحاول الإبحار بعيداً عن نجوم العقلانية وبوصلات المؤسسية، معتمدة على رياح الغيبيات وحدها، ولكن التاريخ – ذلك المعلم القاسي – يخبرنا أن مثل هذه السفن إما أن تغرق في ثورات شعبية عارمة، تشبه العواصف التي لا ترحم، أو تتحلل ببطء كسفينة خشبية تلتهمها ديدان الزمن، حتى تفقد قدرتها على البقاء والمنافسة في سباق الأمم.
إن الدرس المصيري الذي تقدمه لنا حكمة التاريخ هو أن البقاء ليس للأقوى ولا للأكثر تمسكاً بالقديم، بل للأكثر مرونة وقدرة على التكيف، والبديل الوحيد عن المأساة هو أن نختار برشاقة مسار التحول الطوعي، حيث ننقل السلطة من سماء الادعاءات الغيبية إلى أرض الإرادة الشعبية، ومن فردية الحاكم إلى تعددية المؤسسات.
في هذه المعادلة الجديدة، يجد الدين مكانه الطبيعي كمنبع للأخلاق والروحانيات، كشمس أخلاقية تضيء ولكن لا تحرق، كبوصلة أخلاقية توجه ولكن لا تقيد، بينما تترك السياسة كفن لإدارة المجتمع البشري، تستند إلى العقل والمنطق والمصلحة العامة ، وهكذا، وبينما نواجه تحديات القرن الحادي والعشرين، يصبح الخيار واضحاً؛ إما أن نعيش في متاحف سياسية نحن سجناء فيها، أو نتحول إلى حلقات في سلسلة التطور الإنساني الطويلة، فإما أن نكون أوعية فارغة لادعاءات الماضي، أو نصبح صنَّاعاً لأفق مستقبلي جديد، حيث تلتقي قيم الدين الأصيلة مع متطلبات العقلانية العصرية، في تناغم يخدم الإنسان ويحترم كرامته، ويطلق طاقاته الخلاقة، فالحضارة في النهاية هي رحلة الإنسان نحو الحرية والكرامة، وليست سجناً للعقل والروح تحت أي شعار كان.
