في وداع العم الفاضل/ عبد الحافظ عبد السلام العوض
A7S2303رقم من أمام القبر
في قبر بعيد في الغربة ، يرقد الجسد الذي أحب عطبرة فأحبته، حب أرهقه وأرهقها، بمقابر بني ياس بأبوظبي حط الرحال الأخيرة صاحب التاريخ الطويل والانجاز الاجتماعي العم الأستاذ الرمز العطبراوي عبد الحافظ عبد السلام العوض ،الذي رحل صباح الأحد 19/10/2025 بعد حياة يحفها الخير والجمال وجلائل الأعمال.
في طرق الحياة يلتقى الفرد بشخصيات عديدة ومتنوعة ولكن هناك بعضها يبقى في الوجدان وأقصى غرف القلب وهكذا كانت شخصية العم الأستاذ/ عبد الحافظ عبد السلام ،يترك فيك نفسه، ولا يغادر ،لأنه يطبع تأثيراً اجتماعياً ونفسياً جميلاً على جبين كل من يلتقيه. حمل العم عبد الحافظ عبد السلام عطبرة بكل تفاصيلها، وظل طيلة حياته يتنفس عبق شوارعها وطرقها، وكان دوماً يفاخر ويقول(أنا خريج جامعة السكة الحديد)، وحُق له أن يفتخر بذلك نشأ فيها ودرس المرحلة الابتدائية بمدرسة الجنوبية بعطبرة، وظل مرتبطاً بجذوره في منطقة (ديم القراي) مواصلاً لهم ،وكان كثير الحديث عن مدرسة (جبيت الصناعية) التي تخرج فيها، ثم انخرط بعد ذلك في ورشة المخارط بهيئة السكة الحديد، وقد سبقه في هذه الورشة جدي المرحوم الحاج محمد أحمد حمزة وجمعت بينهما الصداقة وحب السكة الحديد وحياة العمال الجميلة لذا تردد اسمه كثيراً في دارنا منذ الصبا الباكر .
تشكلت مهارات الأستاذ عبد الحافظ عبد السلام القيادية منذ وقت مبكر في حياته، وأصبح نجماً في الحياة العامة؟ حيث مثل شباب الاقليم الشمالي سابقا في مجلس الشعب القومي في العام 1978 تقريباً نائباً عن دائرة الشباب، وهناك عاصر الكثير من القيادات السياسة والإدارية ورجال الإدارة الأهلية، الأمر الذي وسع دائرة معارفه وصلاته فخرج من الإطار المحلي إلى الفضاء القومي على مستوى السودان ،كما أنه عمل لفترة طويلة امتدت من منتصف الثمانينيات إلى منتصف التسعينيات رئيساً للاتحاد التعاوني للإقليم الشمالي ثم لولاية نهر النيل ،وخلال تلكم الفترة ظل الاتحاد منبعاً للمبادرات الرائدة في المجال التعاوني، وتتلمذ على يديه الكثير من التعاونيين ،ومثًل هذا القطاع لفترة طويلة في الاتحاد القومي التعاوني، وكان الصوت الأكثر خبرة ونضجاً.
عاش الأستاذ عبد الحافظ عبد السلام العوض كل مراحله العمرية مهتماً بالقطاع الذي ينتمني إليه فاستفاد من قيادته للشباب واسهامه في التعاونيات وعمله البرلماني في أن يكون قائداً متميزاً في تنظيمات أرباب المعاشات ،فأسس أول جمعية لأرباب المعاشات بولاية نهر النيل ومقرها عطبرة، وعبرها نفذ العديد من الأنشطة المتميزة ، ولم يكتف بهذه المجالات وإنما كان قائداً رياضياً وانتمى لنادي الأمل العطبراوي وكان عضواً في مجلس إدارته لعدة سنوات.
إهتم الأستاذ عبد الحافظ عبد السلام بتنشئة الأجيال فكان يزورني في فترتي عميدا لكلية تنمية المجتمع بجامعة وادي النيل في مكتبي ومعه مجموعة من الشباب ،ظل قريباً منهم يشجعهم ويحفزهم ويقدمهم للجمعيات والمؤسسات، له قدرة كبيرة في اكتشاف مواهب ومقدرات الشباب والشابات.
إن الكتابة عن العم الأستاذ عبد الحافظ عبد السلام العوض هي السباحة في بحر الفضائل والسياحة في بستان الأخلاق الرفيعة، وأعمق ما سمعته ما قاله لي أستاذنا المؤرخ والموثق لعطبرة حسن أحمد الشيخ أن عبد الحافظ عاش ورحل دون أعداء، وما أعمقها من عبارة!، ويحفظ أستاذنا حسن الكثير من المواقف والقصص التي تؤكد عظمة هذا الرجل النيل ،كما أتقدم بالشكر لأستاذي حسن أن أمدني بهذه المعلومات التي شكلت جذور هذا المقال.
لقد كان من حسن حظي أن كنت عضواً في المنتدى الشعبي اليومي للعم عبد الحافظ حيث يتجمع الأصدقاء بشكل تلقائي أمام منزله مساءً بحي الموردة بعطبرة وفي هذا المكان قابلت شخصيات نادرة اتسمت بالعلم والخبرة والمعرفة الواسعة فكان مجلساً للخير والفكر والنقاش الجميل والأنس الراقي.
رحل الأستاذ عبد الحافظ عبد السلام وتظل تلكم الأريحية في أعماقنا حيث الكلم الطيب والابتسامة والطرفة، وتحويل كل موقف إلى نكتة حاضرة وتوصيل ما يريد للناس بذكاء نادر، لا يجرح، ولا يعاتب، حتى أصبح محبوب الجميع إنه قصة من العطاء والتميز والعصامية وبناء الشخصية ،خلط بين الهيبة واللين له طلة بصمة، وطريقة مميزة لارتداء العمة والشال تضيف إلى حضوره الهيبة، لكن سريعاً ما يكسر ذلك بقفشاته وتعليقاته الطريفة.
قبل الختام نزجي العزاء لأسرته الصغيرة الأستاذة الفاضلة/ زبيدة العبيد وأبنائها د. مناهل وهيثم ومهند ومحمد، وصهره الأستاذ مكي الذي قابلناه حزيناً عند المقبرة، وأعرف كم كان يحبه العم عبد الحافظ ، وأسرته الكبيرة وعلى رأسهم صديقه وابن عمته أستاذنا كمال حامد الذي حمل له قطار الموت إنساناً عزيزاً عليه، فالدمع حل اليوم مكان الحبر في عموده الأسبوعي قطار الموت ، ويمتد العزاء لأصدقائه وعلى رأسهم أستاذنا حسن أحمد الشيخ والدكتور عثمان السيد وغيرهم من العظماء الذين يرسمون دوماً بحبر الوفاء لوحة الحب والود لأستاذنا المرحوم العم/ عبد الحافظ عبد السلام العوض.
رحم الله الرمز العطبراوي والقائد العمالي والشبابي والرياضي والنقابي ورجل المجتمع الذي سيظل في الخاطر والقلب.
