في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة التي تشهدها المنطقة العربية والقرن الإفريقي، تتجدد ملامح الشراكة بين المملكة العربية السعودية وجمهورية السودان لتؤكد أن العلاقات بين البلدين الشقيقين تجاوزت مرحلة المجاملات الدبلوماسية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الراسخة، القائمة على المصالح المتبادلة والرؤية المشتركة لمستقبل يسوده الاستقرار والتنمية. لقد ظل السودان يمثل عمقًا استراتيجيًا للمملكة في إفريقيا، بما يملكه من موارد طبيعية وموقع جغرافي فريد على البحر الأحمر، في حين تشكل السعودية بالنسبة للخرطوم بوابة رئيسية للانفتاح العربي والإقليمي ومصدرًا موثوقًا للدعم الاقتصادي والسياسي.
ومن هذا التكامل الجغرافي والمصلحي نشأت علاقة تقوم على التعاون الوثيق، تتطور باطراد رغم التحديات التي تواجه البلدين والمنطقة. خلال السنوات الأخيرة، برز الدور السعودي الداعم للسودان في أحلك مراحله، سواء في سياق دعم الاستقرار السياسي أو عبر المساعدات الإنسانية التي قدمها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، فضلًا عن احتضان المملكة لمباحثات ومساعٍ تهدف إلى وقف النزاع الداخلي وتحقيق السلام. ويعكس هذا الموقف الثابت قناعة سعودية بأن استقرار السودان يمثل ركيزة أساسية للأمن العربي والإفريقي على حد سواء، خصوصًا في ظل موقعه المحوري المطل على أحد أهم الممرات المائية في العالم.
اقتصاديًا، تواصل الاستثمارات السعودية حضورها القوي في السودان، حيث تعد من الأكبر عربيًا في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والطاقة والمعادن. ويأتي ذلك انسجامًا مع رؤية السعودية 2030 التي تشجع على تنويع الشراكات الإقليمية وتعزيز الأمن الغذائي العربي، وهي رؤية تجد في السودان شريكًا طبيعيًا بموارده الزراعية الواسعة وإمكاناته الاقتصادية الواعدة. كما تتجه الجهود المشتركة نحو إقامة مشروعات استراتيجية جديدة تشمل الطاقة المتجددة والمناطق الاقتصادية الحرة والتعاون في مجالات النقل البحري، بما يعزز التكامل الاقتصادي بين البلدين.
وفي موازاة ذلك، يتواصل التنسيق الأمني بين الرياض والخرطوم في قضايا البحر الأحمر ومكافحة الإرهاب والتهريب، في إطار إدراك متبادل بأن أمن البحر الأحمر لا ينفصل عن أمن واستقرار المنطقة بأكملها. كما يشارك السودان في التحالف العربي بقيادة المملكة، وهو ما يعكس طبيعة التعاون الدفاعي القائم بين البلدين.
إن العلاقات بين السعودية والسودان تسير بخطى ثابتة نحو مرحلة أكثر نضجًا، تتسم بالوضوح والثقة المتبادلة، وتستند إلى تاريخ طويل من التواصل وروابط الدين والجوار والمصير المشترك. ومع كل التحديات التي تواجه السودان اليوم، تظل يد المملكة ممدودة دعمًا وتعاونًا، انطلاقًا من ثوابتها الراسخة في نصرة الأشقاء، وإيمانها بأن استقرار السودان هو استقرار للمنطقة بأسرها.
هكذا تتجسد الشراكة السعودية السودانية اليوم في صورتها الأعمق: شراكة تتجاوز الاعتبارات الظرفية لتؤسس لرؤية استراتيجية بعيدة المدى، يكون عنوانها التنمية، والأمن، والاستقرار، والعمل المشترك من أجل مستقبل عربي إفريقي أكثر تماسكًا وازدهارًا.
