في اللحظات الفاصلة من تاريخ الشعوب، لا يُسمح للرمادية أن تتمدد، ولا يُعترف بمن اختار الصمت في وجه الجريمة. في أزمنة الدم والظلم، يصبح الحياد خيانة، وتتحول المسافة بين المتفرج والجلاد إلى شعرة واهية تُقطع عند أول صرخة استغاثة. في السودان، حيث تتصارع البنادق وتتهاوى القيم، ليس ثمة مكانٌ لمن لا يختار.
في ظل حرب الكرامة الدائرة اليوم، لم يعد هناك متسع للحياد، ولا شرعية لمن يلوذ بالصمت. فالواقع لم يترك للضمير رفاهية التردد. إننا أمام مواجهة واضحة بين حقٍّ يُغتال وباطلٍ يتجبر، ومن لا ينصر الأول، يساند الثاني، ولو من خلف الستار.
الحياد في مثل هذا الوضع ليس فضيلة، بل وهمٌ مريح لمن يخاف دفع الثمن. الحياد هنا ليس سوى موقف رمادي مهترئ، لا يصمد أمام أبسط اختبارٍ إنساني. فالساكت عن الحق شيطانٌ أخرس، وإن زعم النقاء وصفاء النية.
يحدث أن يتوه البعض خلف حجج ظاهرها التعقل، كأن يقول: “لا أملك الصورة الكاملة”، أو “الطرفان مذنبان”، لكن تلك الذرائع لا تقوى على الصمود أمام مشهد أمٍّ ثكلى، أو جريمة اغتصاب، أو جثة طفلٍ تحت الأنقاض. لا يمكن أن تكون محايداً بين من ينهب ويغدر ويقتل، وبين من يُقتل ويُغدر به ويُظلم.
هؤلاء الذين يتغنون بالحياد، ليسوا سوى مخادعين؛ يشاركون الذئب طعامه، ثم يذرفون الدمع مع الراعي. يزينون خذلانهم بألفاظ براقة، ويخفون جبنهم تحت عباءة الحكمة.
نحن لا نقدّس الجيش، ولا نبرّئه من أخطائه الجسيمة. بل نقرّ، وبمرارة، أن من أعظم أخطائه تمكين الجهلاء والقتلة من سلطةٍ لا يستحقونها. إن أكبر خطيئة للجيش كانت حين سلّم مقاليد الأمور لأقوام لا يعرفون شيئاً عن الدولة، ولا يحترمون القيم، ولا يُؤمنون بالإنسان.
لكن رغم هذا، فإن اللحظة الراهنة تفرض إعادة التقييم. منذ الطلقة الأولى في هذا الجحيم المتفجر، بدأت ملامح الحقيقة تتضح، وبدأ الجيش في تصحيح مساره. لا من باب الطهر الكامل، بل من باب استدراك الكارثة. وهو، رغم كل شيء، يبقى المؤسسة الوحيدة التي ما زال يمكن أن تُستعاد بها الدولة من قبضة الجنجويد والميليشيات.
والتاريخ، كما هو دائماً، لا يرحم. سيُسجل من تخلّى عن الحق، كما يُخلّد من وقف، في لحظة الخوف، وقال: لا.
يموت الناس يوميًا في مختلف أنحاء السودان، ولا سيما في أقاصيه المنسية، وما الحصار الخانق المفروض على مدينة الفاشر إلا دليل صارخ على تلك المأساة المستمرة. فلو كان من يُسمّون أنفسهم “الداعمين للحياد” صادقين في دعواهم، لمنحوا أولئك المساكين فرصة لإدخال المساعدات الإنسانية، بدلًا من خنقهم بالجوع والذعر.
ثم يخرج علينا بالأمس أحدهم، وقد تزين بقلادة ذهبية فوق رأسٍ لا يعرف من الحكمة شيئًا، ليحدثنا عن “الحياد”! عن أي حياد تتحدثون؟ إن كان زعيمكم نفسه ـ الجاهل الذي لا يفرّق بين كوز الذرة وكتاب القانون ـ لا يعرف الحياد ولا يعترف به، فبأي منطق تؤمنون أنتم به؟
وأقولها صادقًا: الحياد في هذا المقام يشبه زنديقًا يضع في بيته مصحفًا، لا ليهتدي به، بل ليواري به سوءاته.
خاتمة:
في معارك البقاء والكرامة، لا يمكن أن تكون محايداً. إمّا أن تكون مع الضحية، أو تصطفّ، من حيث لا تدري، مع الجلاد. فاختر موقعك جيداً، قبل أن يختارك التاريخ ويضعك حيث لا تحب.
