العودة إلى مقاعد الدراسة مهما كانت الظروف، ليست مجرد خيار عابر؛ إنها قرار مصيري يحمل في طياته الكثير من التحديات والآمال. فهي أشبه بالاعتراف بالخطأ بعد طول إنكار، أو تقديم اعتذار صادق بعد تقصير.
وفي تجربتي الشخصية، أجد نفسي اليوم عائدًا إلى مقاعد الدراسة السودانية بعد غياب استمر أكثر من عشر سنوات. لكن هذه العودة ليست كأي عودة أخرى؛ إنها بداية جديدة، تتجاوز كونها رحلة تعليمية، لتصبح رحلة لإعادة بناء الذات وربط الأحلام القديمة بواقع جديد.
حينما قررت العودة إلى الدراسة، كنتُ أحمل معي أحلام الأمس ذاتها، لكن بفكر أكثر نضجًا ونظرة أكثر شمولًا للحياة. لم يكن مجرد قرار لاستكمال التعليم، بل كان فرصة لإعادة الاتصال بجذوري في السودان، ذلك الوطن الذي يمثل لي أكثر من مجرد مكان؛ إنه جزء من هويتي ورسالتي. رغم حماسي، كان هناك قلق يساورني؛ كيف سأتأقلم مع زملاء الدراسة الذين يصغرونني بجيل أو أكثر؟ وهل ستقف فجوة العمر عائقًا بيننا؟ ولكن سرعان ما تبين لي أن هذه المخاوف كانت محض وهم.
فعندما تعاملت معهم بتواضع، وجدت قلوبًا نقية وعقولًا مبهرة، مليئة بالأفكار والآمال، وربما تفوق توقعاتي عن جيلي نفسه. كانت المفاجأة الكبرى عندما وجدت أن هؤلاء الشباب يملكون وعيًا فريدًا. كنت أعتقد أن انشغالهم بالتكنولوجيا والمظاهر ربما جعلهم أقل ارتباطًا بالقيم الجوهرية، لكن ما رأيته كان عكس ذلك تمامًا. لقد وجدت بينهم اهتمامًا عميقًا بالآخرة، وتقديرًا حقيقيًا لمعنى الحياة، رغم الانطباعات النمطية التي تصف جيلهم بالسطحية والانغماس في الدنيا. في الأمس، كنت في نقاش مع زملائي، حينما طرح أحدهم، واسمه لؤي، سؤالًا محوريًا لفت انتباه الجميع.
بدأ لؤي حديثه بتحية الإسلام والصلاة على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ثم قال: “نحن كجيل صاعد ومقبل على حمل أعباء الأمة، كيف يمكننا إعداد أنفسنا لتلك المسؤولية العظيمة؟” وأردف: “الأجيال السابقة ركزت على بناء العالم المادي: العمارة، الاقتصاد، التكنولوجيا، لكنهم أهملوا البناء الأهم، وهو بناء العقل والروح. فما الفائدة من امتلاك أدوات متطورة إذا لم نعرف كيف نستخدمها؟” كان كلامه بمثابة جرس إنذار. أكمل حديثه بتوجيه السؤال لي مباشرة، قائلاً: “كيف ترى دورنا كشباب؟ وما هي رسالتنا الحقيقية؟”.
وجدتُ نفسي أمام سؤال يتجاوز الحدود الفردية إلى القضايا الكبرى التي تواجه الأمة. أجبته قائلًا: “إن التعليم ليس فقط وسيلة لتحصيل المعرفة، بل هو الطريق الوحيد لصناعة الإنسان الواعي القادر على التمييز بين الصحيح والخطأ. التعليم ليس شهادة تُعلق على الجدران، بل هو وسيلة لتحرير العقول من قيود الجهل.” لاحظت خلال النقاش حيث وجدتُ أن كثيرًا من أفراد الدفعة كانوا على اتفاق تام، ويحملون همومًا كبيرة. وعلى رأس هؤلاء كانت الزميلة السيسبانة والدكتورة، وايضاً الزميل مصطفى بكري. ورغم انحراف البعض عن مغزى النقاش، إلا أن الأخت ملك أحمد، تلك الطائرة المغرّدة، كان لديها رأي آخر.
كانت زميلتنا ملك أحمد مثالًا على هذا، حيث قالت بحماس: “صلاح الشباب هو مفتاح صلاح المجتمع بأسره. إذا نشأ الشاب في طاعة الله، فإن أثره سيتجاوز نفسه ليشمل أسرته ومجتمعه. الله يظلّل الشباب الذين نشؤوا في طاعته يوم لا ظل إلا ظله. للأسف، كثير من الشباب يضيعون أوقاتهم في اللهو والبحث عن قدوات خاطئة، بينما الأمة تنتظر منهم عطاءً حقيقيًا.” النقاش لم يتوقف عند حدود التعليم أو الالتزام الديني، بل امتد إلى أبعاد أعمق.
تحدثنا عن دور الشباب في بناء مجتمع واعٍ ومتماسك، وعن أهمية تحمل المسؤوليات الكبيرة التي تتجاوز الأهداف الشخصية. كانت النقطة المشتركة بين الجميع هي أن الأمة بحاجة إلى شباب يفهمون قيمة وقتهم ويستثمرونه في البناء والعطاء. ومن أعمق ما قيل في هذا النقاش، اضافة الزميلة ملك ايضاً، حيث قالت بجرأة: “الأمة لا تحتاج إلى مزيد من الأطفال أو الشباب بلا هدف.
نحتاج إلى شباب يدركون أن الوقت أثمن من أن يُهدر على التوافه، وأن الحياة ليست سوى فرصة لتحقيق الخير والعطاء.”في الختام: إن الحديث عن الشباب ومستقبلهم ليس مجرد حديث عابر أو كلمات تطلق في الهواء، بل هو استشراف لمصير أمة بأكملها. تخيلوا معي أن هؤلاء الشباب، الذين لم تتجاوز أعمارهم العقد الثاني من حياتهم، يحملون في عقولهم وأرواحهم أفكارًا وطموحات تعجز أحيانًا عن بلوغها الأجيال التي سبقتهم. لو امتلكنا في كل جيل 10% فقط من هذا الفكر الواعي، والإصرار المتقد الذي يحركهم، لوجدنا أنفسنا في مقدمة الصفوف بين الأمم، نصوغ المستقبل بإبداع وتميز.
رسالتي لكل أب وأم، ولكل مربٍ ومعلم:
أنتم صناع المستقبل الحقيقيون. ازرعوا في قلوب أبنائكم حب الخير والعمل، ازرعوا في نفوسهم قيمًا لا تتغير مع الزمن، قيمًا تجعلهم يفهمون أن حب الوطن ليس شعارًا يرفع، بل عمل دؤوب وإخلاص مستمر. علّموهم أن الأخلاق ليست مجرد مكارم، بل هي جوهر الإنسان، وهي ما يجعل العمل ذا قيمة حقيقية. ذكروا أبناءكم دائمًا بأخلاق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، الذي كان بأفعاله وكلماته نموذجًا للبشرية جمعاء.
إن الشباب هم نبض الأمة وأملها المتجدد، وبصلاحهم يزدهر المجتمع، وبانحرافهم يضيع. هم الأساس الذي تُبنى عليه الحضارات، وهم منارة الطريق نحو التقدم والرقي. لذا، دعونا نوجه إليهم السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا في أذهانهم دومًا: “ماذا سأضيف للأمة؟” إن هذا السؤال ليس مجرد تحدٍ عابر، بل هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد مكانتنا بين الأمم.
إنه السؤال الذي يُرسم من خلاله المستقبل، ليس فقط لسنوات قادمة، بل لقرون. فلنجعل هذا السؤال نبراسًا يضيء طريق أجيالنا، ولنصنع من الحاضر قاعدةً صلبةً يرتكز عليها مستقبل مشرق.
