عجز قلمي عن مجاراة ما يحدث في غزة الجريحة والفاشر المحاصرة، فالألم أكبر من أن يوصف، أو أن تستوعبه مقالة أو كتاب.. لم أستطع طوال الشهور الفائتة الإمساك بالقلم، وخط حرف في مأساة شعب يموت، وتاريخ يئن، وجغرافيا تحتضر.. كل قطرة دم تنزف من طفل أو امرأة تحيلنا إلى البكاء؛ لتسحّ دموعنا ساخنة معبرة عن القهر والغضب والحزن والوجع الصعب.. تملكتنا الحيرة فيما يمكننا فعله تجاه الجرائم النازية التي يقترفها الاحتلال المجرم في حق شعبنا الصابر الصامد الراسخ في أرضه رسوخ الجبال..
لم يكن هذا الوجع والغضب بسبب صعود عشرات الآلاف إلى السماء وفداحة المصاب فقط، بل لما أصاب الأمة من هشاشة واستسلام لواقع مر، صنعه حكام مرتهنون ونخب ملوثة متلونة لا موقف واضحا لها.. لقد باعوا أوطانهم لعدوهم، وتركوا شعوبهم تزدرد العار والقهر والحسرة والعجز، وهي التي حرمت من حلمها الطويل بوطن قوي عزيز وحياة كريمة.
حكامنا ضعفاء خائرو القوى، لكنهم أشداء فيما بينهم وعلى شعوبهم، أذلاء على عدوهم.. غاية مطمحهم أن يكونوا أحذية لامعة على قياس أقدام السادة البيض. ويتنافسون أيها أكثر لمعانا، لكأنهم لم يقرؤوا دينامياتa التاريخ، ولم يدركوا الأبعاد والمسافات بين حالة القوة والمنعة وحالة الضعف والخور والاستسلام..
شعب غزة العربي الأصيل يُقتل ويجوّع ويسلب حقه في الحياة، بينما يتفاخر عليّة القوم بالموائد الفاخرة، وبالسيارات الفارهة، وبمهرجانات الطرب والخلاعة، وليت الأمر يتوقف عند ذلك؛ فهم إما مشاركون في المؤامرة على غزة وفلسطين، ويدعمون الكيان المحتل بكل طاقتهم للقضاء على حلم الفلسطيني بالعيش على أرضه معززا مكرما، وهم يرون بأعينهم ما يعيثه العدو في القدس والضفة الغربية من قتل وتدمير وحرق واعتقال في ظل صمتهم المطبق، وإما محايدون صامتون كأنهم خشب مسندة، وقليل منهم المتضامنون مع دماء الشهداء؛ وكلهم يرسلون الأكفان للموتى؛ فهي الأكثر وفرة في سوق المقابر الجماعية..
حكامنا ماضون في خيانتهم لأمتهم، غير مدركين حجم التصدعات التي قد تتشكل في عمق أنظمتهم السياسية؛ جراء إحساس المواطن بخيانتهم وخزي مواقفهم وعارها، والتي قد تؤدي إلى انفجارات اجتماعية تأكل الأخضر واليابس، فتسقط أنظمة وتنهض أخرى، أو تعم الفوضى وتتحطم الأحلام على مذبح الخيانة والعهر السياسي..
الفاشر كما غزة فالمعاناة واحدة من حصار وتجويع وقتل وتشريد، بناءً على تقارير حديثة حتى سبتمبر 2025، الوضع في الفاشر يشبه غزة في الدمار، لكنه يضيف طبقة من الإبادة العرقية الداخلية.
عجز المجتمع الدولي إلا من الإدانات الجوفاء ،الأمم المتحدة تعبر عن “قلق شديد” من تدهور الأوضاع بالفاشر، مع بيانات من الأمين العام ومفوض حقوق الإنسان تدين العدو، لكن لا تدخل عسكري أو عقوبات فعالة، في غزة، نفس الشيء : إقرار بالإبادة لكن دعم أمريكي لإسرائيل يمنع أي إيقاف. المانحون الغربيون يصدرون بيانات مشتركة عن “مئات الآلاف المحاصرين” في الفاشر، لكن الإغاثة محدودة بسبب الحصار. هذا العجز يعكس “هشاشة الأمة”، حيث يُترك الشعب يئن وحده.
الأسبوع الماضي كان الموعد السنوي للمخدرات السياسية والإعلامية. حيث يعتلي الرؤساء منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة ويتبارون في إطلاق الخطب والتصريحات. وتركز كاميرات العالم على ما يدور هناك.
هذا العام كانت الجرعة المخدرة أعلى من الأعوام السابقة لأن دولا كثيرا أعلنت عن مواقف سياسية جديدة تجاه القضية الفلسطينية. سمعنا كلاما تطرب له الآذان بينما لا يسمع أهل غزة والفاشر غير أصوات القنابل والمسيرات تنهال على رؤوسهم ولا يشاهدون إلا فصولا جديدة من فصول الإبادة. لا تسمحوا لصوت غزة والفاشر وصورتهما أن تسقط ولا تنشغلوا عن المعركة بأنواع المخدرات السياسية فقد جربنا كل أنواعها منذ سبعة وسبعين عاما، ووجدنا أنها تدغدغ المشاعر وترفع الآمال لكنها لا تغير الأحوال لأنها لا أقوال بلا أفعال.
عزيزي القارٍئ، غزة والفاشر ليستا مجرد أخبار؛ هما صرخة لأمة تحتاج تضامناً حقيقياً، تحتاج للأفعال وليس الأقوال. لو نستطيع رفع الصوت أكثر، ربما نوقظ الضمائر. مهما كان خيالك جامحاً، فلن تطال جنون السياسة وتقلباتها وتحولاتها وتطوراتها، فهي وادٍ بلا خارطة، وعالم بلا قوانين، لا يحكمها منطق ولا تقيّدها قواعد او ضوابط. هل ما نراه اليوم من أحداث صارخة كان ليخطر ببال أحد؟ على الإطلاق لا.
صدق الرصافي عندما قال:
إن السياسة سرّها
لو تعلمون مُطلسَم
الوطن أولا ثم الدولة ..
أعيدوا لنا الوطن المسلوب واتركونا وشأننا.
إلى أشقائنا في المملكة العربية السعودية،
في عيدكم الوطني الـ95، نهنئكم بقلوب مليئة بالفخر والمحبة.
يا وطن الحرمين، دام عزّك وازدهارك تحت قيادتك الحكيمة.
كل عام وأنتم رمز الوحدة والتقدم، تبنون المجد بإرادة صلبة.
عيد وطني سعيد، ودامت المملكة درة العز والشموخ!
moh.jack@gmail.com
