خرجت ولم تعد…أوصافها كالآتي
“السيمافور ” و” التابلت “و” البلنجة” مصطلحات تمثل قيماً عند أهل السكة حديد وقد احتلت هذه المصطلحات مساحة واسعة في وجدانهم فأصبحت جزءاً من لغتهم ، فمثلاً أصحاب (الرايات البيضاء) أمام زوجاتهم في السكة حديد يطلقون فيما بينهم مصطلح ( بلنجة ) علي الزوجة ، (والبلنجة) تمثل الجزء الحديدي المسؤول عن ربط القضيب ( بالفلنكة ) وفي هذا إشارة إلي ” الكنكشة ” والمصير المشترك ، أما الشخص غير ” المنضبط ” في حديثه ودخوله للمكتب وانصرافه من العمل دون إستئذان.. فيصفونه بأنه شخص ” بدون تابلت “، والتابلت سلك دائري ينظم حركة القطارات وعندما يُعطى للسائق فهذا يعني عدم وجود قطار في الاتجاه المعاكس له في نفس الخط .. والشخص الانفعالي سريع الغضب الذي لا يتحكم في مشاعره ينعتونه بأنه ” فاكي باكم ” أي لا (فرامل) له ..
إن كل المكاتب الرسمية داخل السكة الحديد لها اختصارات عميقة الدلالة فمثلاً كلّ الإشارات الواردة لمكتب مدير هيئة السكة حديد عنوانها ” حديد ” ومجرد أن يرد هذا المصطلح في أي مكاتبة فمعنى هذا أن الشأن يتصل بالمدير العام .. ولا أظن أن هذه الكلمة المستخدمة للاختصار قد تمّ اختيارها عبثاً ولكنها تشير إلي القوة والسلطة .. والسكة حديد أشبه بالمؤسسة العسكرية في نظامها وتقاليدها .. وما زالت بذاكرتي حكاية ” الأشرجي ” الذي صعد بفانوسه في إحدى المحطات لإشعال (السيمافور) لتنظيم حركة القطارات .. وشاءت الأقدار أن يسقط ويتوفاه الله في الحال .. فكتب ناظر المحطة إلى ” المأمور ” يفيده أن ( الأشرجي ) فلان .. قد سقط من (السيمافور) وتوفي في الحال .. فكان رد المأمور البرقية الآتية ” علمنا بوفاة الأشرجي فلان .. قف…. أفدنا بحالة الفانوس !!!!!!
إن مضامين هذه البرقية لا تعبّر عن أزمة في القيم الاجتماعية فهنالك مؤسسة ضخمة للخدمات الاجتماعية تعمل في اتجاه موازي ,, ولكنّ هذه المضامين تعبّر عن تقديس قيمة العمل .. فالقاطرات دون هذا ” الفانوس ” تصاب بالعمى في المسير وتضل الطريق وربما يحدث التصادم فيموت بدل الواحد العشرات ….
لقد ورث العاملون بهيئة السكة الحديد هذه القيم وأورثوها لأبنائهم فكانوا في المدارس الأكثر نظاماً وساهمت في بنائهم الفكري حيث أتاح لهم التجوال في السودان التعرف علي البيئات الاجتماعية المتعددة فتفاعلوا معها وكونت نسيجاً راقياً لإطارهم الاجتماعي ساعدهم أن يكونوا أكثر الفئات قدرة على التفاعل الاجتماعي
إن عودة السكة الحديد إلي ماضيها العريق ليس حلم العاملين بها فقط ولكنه حلم كل أهل السودان في أن تعود للهيئة قطاراتها وصافراتها ومحطاتها الأنيقة ومنازلها الرائعة ومكتباتها المتجولة عبر الصحارى ومؤسساتها التعليمية والاجتماعية ويظل جسر أحلام إنسان السكة حديد الوفي الصامد المرتبط بمؤسسته ووجدانياً .. المفتخر بها .. الحريص علي تطورها وتقدمها ممتداً ..
خرجت السكة الحديد ولم تعد ‘ عيونها عسلية‘ وتنتعل مشاعر خوفنا من عدم عودتها، سليمة العقل والفكر، الرجاء ممن يتعرف عليها الاتصال بالشعب السوداني، أرقام الهواتف الحب والود والعشق الدفين للهيئة، أو الاتصال بأقرب المحطات الخلوية فقد ظلت حزينة جرداء تنتظر الخبر السعيد
