مسبحةٌ متلألئة بين أناملها تصتَّكُ وتُحدثُ صوتاً وإنعكاساتٍ ضوئيةٍ، في هذا اليوم التعيِـس والذي ظللتُه غيمةً غريبةً مصحوبةٍ بكُتْكُرىِ وكتـاحة سوداء عشوائية عنيفةُ قادمةٌ من الجنوب ما بين جبل كردفان وسوق أبي الغُر حيث تدور معارك شرسة عنيفة هناك فمنذ الأمس نعيشها بتفاصيلها مغيمة علينا دخاخينها مُزكِمةً أنوفنا ونحن تحت مرمي وابل المدفع الثلاثة وعشرين والرباعي والثنائي والدوشكات والقرنوفات من ناحية أخري والمسيرات تهزُّ الأرض والدبابات ترُّجٌ الدٌّنيا رجاً رعبٌ متصاعد ومجهول سوداوي ورغم ذلك خرجتُ أتلمسُ طريقاً يفضي لغرب المدينة عبر الإرتكازات و تجريدات الدّعم العسكري والتمويل وما بين الإرتكازات وشتِل الدّانات في المرافق الحيوية وعواء الإسعافات وهرجلةً متطرفة كلياً هدفي الأسمى أن أناضل من أجل سلامتي لأصلُ لعزيزة العزيزة علي نفسي فلقد فجعتني بمكالمة فجريّة هدّت الدُّنيا في ناظري ومرَّ دهرٌ من تكبدي ونضالي وبحمده وتعالي صنعت لي العناية الإلهية نفقاً دودي سلمني من الطوائش والروائش وإعتقالات المصحيين للمدفعية في المدينة و الطوابير النشيطين والمتوفرين في هذه الظروف التي جسمت لي كوابيس الأحلام المُريعةّ. فعبرتُ مالن تطيقهُ نفسٌ أو قلبٌ ووقفت أمامها. كانت متصلبةً واقفةً مُتخشبةً وبحسب أخواتها منذ مساء الأمس متجمدة الحواس في مكانها ذاته بعدما ألقت بالهاتف أرضاً وصرخت بإسم زوجها ـ مهنـد ـ
حاورتها بلطف منظرها أنسانِّي مكابدتي ونضالي وروعي للوصول اليها:
– ياعزيزة. . . . عزيزة مالك أن شاء الله خير في شنو؟ قولي بسم الله ولا حولة ولاقوة الا بالله.
لم تظهر عليها ولا آية توحي بأنها حيةٌ ورغم ذلك أشارت بطريقة آلية دراماتيكية إلي هاتفها المدفوس في الرّمال في أرضية غرفتها فسرتُ نحوه ورفعتهُ ونفضتهُ من ثم تصفحتهُ كانت المكالمة الأخيرة من زوجها أخي التوأم مهند ! توجست خيفةً وأرتعدت أوصالي قليلاً ولكني قدّرت الموقف فأخي مهند خرج مستنفرا مع القوات المسلحة المهاجمة منذ الأمس أخبرني قبيل خروجه وطلب مني أن أكلم له الوالدة لتدعو له بالنصر والعفو ، فخطر في بالي أنه ربما أصيب وقفزت مباشرة فوق الظروف بخطة تقتضي سحبه من المستشفي العسكري المهدد بالإقتحام او التدوين والذي يفترض به أن يكون مزدحماً فالمعارك وقعها لا يُنبئ بنهاية قريبة سنجلوه وكذلك لابدا من إجلاء بعض من أصدقائي وزملائي من أحيائهم الواقعة علي تخوم المعركة والقصف العنيف وخط النار كذلك ينبغي أن أحتاط لتوفير الدم والمال وفكرت حتي في أستحضار صديقي المساعد الطبي عثمان لاني لا أتصور أن يكون هنالك كادراً طبياً واحداً في مدينتنا غير مشغول وقلبي أصبح نبضهُ يجاري هدير وضوضاء المعركة جلست القرفصاء وأمسكت بالهاتف وضغطت علي مفتاح التشغيل لكنه كان مغلقاً نظرت إلي عزيزة المُتخشبة وأظنني ابتسمت لها
– ياعزيزة الهاتف طفأ
ردت أختها سميرة
– هي رمته وأتعصبت واتشنجت ما عرفنا الحصل شنو ؟!
– يمكن كهربته خلصت .
– آن شاء الله تكون كهرباء عندكم شاحنة طاقة؟
كان هذا المقترح منقذاً لي فأخذته سميرة ووضعته في شاحنة الطاقة وتركتنا منقادين لتصلب عزيزة وحيرة التّصرُّف
ونحن في مكاننا وعزيزة متصلبة تتنفس أحيانا والارض من تحتنا تهتز وترتج زلزلةً مريعةً وفوق رؤوسنا اربعين دليل والشواظ و المائة وعشرين يسطر الرُّعب وصوت الأنتينوف تزِّنُ تحت حلمة الأذن وكل حين ترتج الأرض فنحن نبعدُ من أرض المعركة فقط سبعة كيلومترات وعملياً كل المدينة متأثرة بنسب تزيد وتنقص حسب وضعها
– اللهم أجعله خيرا.
هذه صدمة كبيرة فعزيزة تمثال لانعرف ماذا نقدم اليها أو نأخذ منها فقط المسبحة تتحرك في يدها حاولت معها
– ياعزيزة لا اله الا الله ـ وحدي الله ـ ورينا الحصل شنو ! عشان لو في حاجة نعملها؟
لا شئ عيون متحجرة وصمت غريب في هذه الضوضاء والفوضى المريعة فلا خيار الا أن نستحلب الطاقة لتوفر لنا ولو خطاً واحد نطمئن به وقد مرّت دقائق غلاظ من تحت موجات الرعب ولمّا تشحن البطارية بعدُ. سالت أهلها مراراً
– يا أخوانا الحصل شنو؟
– نحن سمعنا التلفون ضرب وجينا جارين قلنا دا زوجها مهند نطمئن عليه لكنها فجأة صرخت ورمت التلفون في الأرض كانت خائفة ورفضت أي زول يرفعوا أخيراً رفعته وضربت ليك
– أه صحيح لكن بس قالت كلمة واحدة قالت لي مهند فما عرفت الحصل شنو؟
– أثناء مكالمتها ليك دخلت مكالمة أظنها علقت مكالمتك وصمتت وأخرها رمت التلفون ودي الحالة
– يا عزيزة مهند أخوي مالوا ؟نحن لازم نكون مؤمنين بكل شئ نحن في حرب فقط نتمني أن يجيرنا الله في مصابنا في شنو؟ فلو حاصل شئ كلمينا عشان ممكن نعمل حاجة يمكن محتاج لمساعدتنا ؟
لم يبدو عليها أن سمعتني حتي .كنت أعلم أن حبها لأخي كبيرا وأنها قصرت عيشتها في الدنيا عليه وقد كادت أن تستحوذ علي محبته الكبيرة لي ولكني زاحمتها في محبته فالمحن تجمع الان انا عاجز عن فعل أي شئ سوى رسم سناريوهات للأسواء فهل أستشهد مهند أخي؟ مستحيل لأننا جبلنا علي التخاطر عند المصائب ولدينا تواصل روحي نبث عبره المكاره حتي لو كان من خلال رسائل في الأحلام لم أشعر بسوء بالرغم من أكفهرار الدنيا والأجواء كلها تنفس السوء والشؤوم أم أنّ حدث له مايريد فهو تواق للشهادة فهذا الذي دفعه لحمل السلاح مستنفراً وهي نقطة خلافنا أنا ضد الحرب كفعل فالحرب عندي كلها مرفوضة جنحة اخلاقية عرت أخلاقنا وسلوكنا ومبادئنا وتوجهاتنا وشوهت المعايشة والتعايش فقريتنا الأصل لم تُنَزِل رواكيب المواضع والفراشات منها مناصفة بين طرفي الحرب وبينهما رهط من الدّهابة وأهل الدّهوّرة فنصف القرية من النساء محبوسات حزناً جُلهم فقدن أزواجهن ظلماً فمن قتل جماعية في سوق ومن تمت تصفيته تشبهاً لغرابة وجهه من مُثِّل به أثنياً لحداثة سنه .مهند أخي يظن بأنّه أن لم يخرج للحرب ستدخل الحرب بيوتنا يتمني أن يمنعها او علي الأقل أن لا يكون موجوداً في ظهر البسيطة .الجميع علي حق لقد اختلطت علينا المفاهيم فياترى البطارية دي لسة؟!
وقبل ان أُكمل إسترسالي حدثتني سميرة
– التلفون شحن خطين
خطفته منها وفتحته بعد دهر ظهرت القائمة وأخر مكالمة ظهر اسمه يشع نورا كأنّه ينتظرني سقط الهاتف مني مرتين وولكني كنت التقطه قبل أن يصل الأرض وهداءت من ثم ضغطت علي إعادة الاتصال لاشئ كنت أنظر للهاتف وأقربه لأذني مرة ومرة لفمي (ألو. ألو)
-الشبكة مافيش الظاهر شالوها
صرخت
ـ تباً شالوها شالوها كيف يعني؟!ولكني لم أتوقف حتي سمعت صوت الهاتف يرنُ فشعرت بنصرٍ وراحة ينقصها فقط كلمة واحدة من مهند ألو
– ألو يامهند ألو
– مهند شنو يازول مهند دا
أصتكت أسناني وأصابني وقر ولكني اجتهدت لافهم كلمات المتحدث وسط هدير المدافع والرشاشات فلم أسمع شئ لكني ميزت ضحكة ساخرة التفت أنها عزيزة
– قال ليك مهند أخوك انجغم صاح؟!
– لا انا ما سمعته لكنه اكيد لقي تلفون مهند و
– لقاه وين؟
في ذات اللحظة رنا الهاتف ففتحته
-ألو يا مهند
– يازول أنت ما راكب عدلك ولا شنو مهند ياتو؟ مَرّة اخوي دي وينها قاعدة جنبك؟!
– موجودة أي قاعدة جنبي
-اديني ليها أو افتح الاسبيكر
فتحت الاسبيكر
– جداً طمنا علي مهند حاله كيف؟!
– في نعيم
– الحمدلله شايفة يا عزيزة أها قالوا ليك مهند في نعيم أسمع يا أخي انت منو عشان نطمئن عليه أكثر
– أنا الزول الجغمهم كلهم رسلتهم للخالق هم في نعيم .معاك ملك الموت شخصيا هاهاها أفرشوا طوالي وهسع هم لو قريبين في السماء ذات البروج هاهاها
اختطفت منها مسبحتها
– يا عزيزة هو مجرد سارق سرق الهاتف ويريد ان يسرق منا راحة البال.
أشرق وجهها قليلا ولكن أظلمت الدنيا أمامي امهند ملقي في العراء منهشة للكلاب والضباع وتتراكم عليها ذرات الرمل الفاتر ليصبح كثب رملي ! امنيته حويصلاء طير الجنة لقد اراد الموت ولكنه لم يريد ان يسلبنا حق التشييع ولا الدفن اللائق ولا علمنا بأنه مختار .أمي ستحزن ولكنها ستتصبر بنسختي الخاوية الحائرة هي القسمة قسمت أقدارنا وفرقتنا حسب اعتقادنا وفهمنا لعبثية الحرب.
