05.11.2025
في قلب القارة السمراء، هناك مدينةٌ تختنقُ منذ أكثر من عامٍ ونصف، اسمها الفاشر.
ليست مدينة عادية، بل مرآةٌ دامية تعكس سقوط العالم في امتحان الإنسانية.
السماء فيها رمادٌ، والأرضُ رماد، والناسُ رماد… بينما تمضي الأمم الكبرى في صمتٍ كأنّها تشاهد فيلمًا لا يعنيها، وكأنّ الأرواح التي تُزهق لا تدخل في تعريفها للإنسان.
في دارفور، تحديدًا في شمال دارفور، تدور واحدة من أبشع المآسي المعاصرة. قوات الدعم السريع التي وُلدت من رحم نظام البشير، وتضخّمت تحت مظلة السلطة ثم تمرّدت عليها كانت تفرض حصارًا خانقًا على الفاشر دام 18 شهراً ، قطعت عنها الغذاء والدواء والرحمة حتى دخلتها المليشيات في 26 أكتوبر 2025
المدينة محاطة بالدبابات لا بالسياج، تُحاصرها البنادق لا الأسوار، تُغتال فيها الطفولة جوعًا قبل أن تُغتال رصاصًا.
أكثر من ثمانمائة ألف إنسان يعيشون اليوم في خطرٍ مباشر، وفق تقديرات الأمم المتحدة، بينهم مئات الأطفال الذين ينامون على بطون خاوية تحت سماءٍ بلا نجوم.
الأرقام وحدها لا تُبكي، لكن الوجوه تُبكي، والعيون التي فقدت الأمل تُبكي أكثر.
توقّفت المدارس والمستشفيات، وتحوّلت المساجد والكنائس إلى ملاجئ، وتحوّل المصلّون إلى لاجئين في بيوت الله، يبحثون عن الله في زمنٍ لا يعرف الرحمة.
ليست الفاشر معركةً عسكرية فحسب، بل معركة وعي وضمير.
كل قذيفةٍ تسقط هناك تصيبنا جميعًا، وكلّ طفلٍ يموتُ جوعًا يسقطُ فينا جزءٌ من إنسانيتنا.
المأساة لم تعد سودانيةً فقط، بل إنسانية بكل معنى الكلمة، لأنّ الصمتَ أمامها ليس حيادًا، بل مشاركة في الجريمة.
في التحليل السياسي، فإنّ ما يجري يُعيدنا إلى قلب معضلة الدولة في السودان:
صراعُ المركز والهامش، وانقسام السلطة بين الجيشٍ النظاميٍّ الذي يشيخُ بالبيروقراطية، وقواتٍ متمردةٍ تتغذّى على السلاح لا على الشرعية.
إنها حربٌ على الهوية أكثر مما هي على الحكم.
في دارفور تُشنّ حربٌ لإعادة رسم الجغرافيا العرقية والسياسية، تُستخدم فيها أدوات القتل التجويع والترهيب بدل الدبلوماسية والسياسة.
الغربُ منشغلٌ بمصالحه، والأمم المتحدة والاتحاد الأوربي اكتفيا بالتعبير عن القلق والإدانة دون اتخاذ خطوات عملية، والعربُ غارقون في صراعاتهم الصغيرة، والمنظماتُ الدولية تُصدر بياناتٍ بلا أفعال.
كأنّ العالم قرّر أن يُدير ظهره لبلاد النيل، وأن يتركها تحترقُ وحدها في صمتٍ يُوجع أكثر من القنابل.
إنّ ما يحدث في السودان يهدّد ليس فقط استقراره، بل معنى الدولة في إفريقيا.
فحين تتحوّل المدن إلى مقابر، وحين يصبح الحصار سياسة، والسكوت ثقافة، يسقط النظام الدولي كله في امتحان العدالة.
إنّ العجز عن حماية المدنيين جريمةٌ لا تقلّ بشاعةً عن القصف نفسه.
هذه الصور ليست تحليل مخابراتي بل وثائق جرمية تُثبت أن ما حدث في الفاشر إبادة جماعية كاملة جرى توثيقها من السماء — كما وُثّقت مجازر البوسنة من قبل..وتمت إدانة مرتكبوها.
أيها العالم الذي يتغنّى بحقوق الإنسان…
أين ضميرك من الأطفال الذين يقتاتون على رماد الخبز في الفاشر؟
أين مجلس الأمن من مدينةٍ يموتُ فيها الناس عطشًا لأنّ الآبار محاصرة وممنوع الإقتراب منها؟
أين الجامعة العربية والاتحاد الافريقي من بلدٍ عربيٍّ يُبادُ بالصمت لا بالقنابل؟
آنَ الأوان أن نكسر جدار الصمت، وأن نطالب بضرورة إجراء محاكمات عادلة وعآجلة، ومحاكمة من استخدم الجوع سلاحًا في حربٍ خاسرة أخلاقيًّا وإن ربحت عسكريًّا.
فالحروب لا تُقاس بالانتصار على المدن، بل بالقدرة على إنقاذ الإنسان فيها.
في نهاية هذه السطور، لا أكتب عن السودان فقط، بل عن وجهنا نحن في المرآة.
لأنّ العالم الذي يصمتُ على المذبحة، يوقّع شهادة وفاته الأخلاقية بنفسه.
وإنّ الإنسانية التي لا تبكي على الفاشر، ستبكي غدًا على نفسها.
سقط العالم من قبل في امتحان الإنسانية عندما حصلت الإبادة الجماعية في غزة وهاهو يصمت ويسقط مرة أخرى أمام أفظع إبادة حدثت في العصر الحديث.
ياااا ضيعة الوطن الذي أنصاره
قوم يرون النصر في الخذلان
قوم يرون حياتهم في ذلهم
ويرون كل الخير في الإذعان
يتفاخرون بقربهم من طاغية
وبدسهم للفرد والأوطان
هذا زمانك يا مهازل فامرحي
قد عُدَّ كلب الصيد في حد
الفرسان( محمد أحمد محجوب).
