الكاتب عمر حياتي-أستاذ الدراسات البيئية بجامعة الملك فيصل بالمملكة العربية السعودية
د. عائشة إبراهيم محمد
كلية الآداب – جامعة النيلين
تمثل الرواية عملًا أدبيًا مهمًا يتجاوز مجرد قصة عن صراع الخير والشر، بل هي دراسة عميقة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها السودان في سبعينيات القرن الماضي. تقدم الرواية صراعاً محورياً بين منظومة تقليدية قائمة على استغلال الفقراء عبر نظام الشيل (القروض الربوية في الزراعة المطرية) وقوى التغيير التي تنادي بالعمل الجماعي والمشروعات التنموية. يصور الكاتب هذا الصراع بأسلوب واقعي يبرز أن التغيير ليس عملية سهلة، بل هو مواجهة مستمرة مع الماضي وعقلياته. وتؤكد الرواية أن التحول الاقتصادي الحقيقي لا يكتمل بمعزل عن تغيير جذري في البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع.
1-العنوان: جمع بين عنوانين، “صقر الحريدان” و “في قرية أم سعد حيث لا شيء يبدو كما هو” مما يُبرز براعة الكاتب في بناء الرواية.فبينما يشدالعنوان الرئيسي القراء المهتمين بالقصص البطولية من خلال رمزيته لشخصية البطل التي لم تأتِ من فراغ، بل من بيئته التي صقلته بالقوة، يجذب العنوان الفرعي المهتمين بالأدب الواقعي وقصص التنمية حيث يصف حالة القرية التي تُخفي وراء هدوئها الظاهري بذور التغيير والصراع. يُظهر الدمج المتناغم بين العنوانين وعي الكاتب بأن القصة هي رحلة تحول وهذا ما يمنح الرواية تفردها في الجمع بين قوة القصة الإنسانية وعمق التحليل الاجتماعي.
2- الإهداء: يعد تحفة فنية في حد ذاته، حيث يستخدم الكاتب لغة فصيحة وشاعرية ليؤكد رسالة الرواية الجوهرية. يُخاطب الإهداء كل من يحمل إرادة التغيير الصادقة، مؤكدا بكلمات بليغة أن الأمل والرؤية يسبقان كل عمل مادي، وأن القوة الحقيقية تكمن في صدق العزيمة. بهذا، يصبح الإهداء مدخلا فلسفيا يُهيئ القارئ للدخول في صلب الصراع بين الحلم والواقع.
3- المقدمة: يفتتح الكاتب روايته بعبارة ذات مفارقة عميقة” لم يكن مولد سالم ود البر حدثاً”. فمن هذه البداية العادية، يمهد الكاتب بذكاء لتحول شخصية البطل من فرد عادي إلى قائد استثنائي مما يضفي على الشخصية بعدا إنسانيا ويُثير فضول القارئ حول الرحلة التي ستجعل من هذا الرجل البسيط شخصية فارقة في تاريخ قريته. يتكامل افتتاح الرواية مع عنوانها “صقر الحريدان” ببراعة، حيث يؤكد أن البطل لم يولد قائدا، بل اكتسب صفات الصقر كالرؤية والقيادة بمرور الوقت. وبهذا لا يعد العنوان مجرد وصف، بل هو حصيلة تطور الشخصية المحورية. تُبرز هذه البنية مهارة الكاتب في بناء الحبكة، وتُجسد فكرة أن العظمة تُكتسب ولا تُورث.
4-السرد واللغة والاصالة: تميزت الرواية بأسلوب سردي واقعي يصور ويصف الحياة في القرية السودانية بصدق، دون تزيين، يجمع بين الأصالة والاحترافية. فالسرد الرصين للرواية يتدرج من الخاص الى العام مما يمنح القصة مصداقية عالية. أبدع الكاتب في توظيف اللغة حيث مزج ببراعة بين فصاحة السرد وأصالة الحوار بالعامية السودانية هذا المزيج يجعل النص نابضا بالحياة ويعكس واقعية المكان وشخصياته فيشعر القارئ كأنه يعيش في القرية ويسمع حديث أهلها. اضافة الى إثراء النص بالأمثال الشعبية والنصوص الدينية التي شكلت جزءا أصيلا من نسيج الرواية. برع الراوي في الوصف، حيث تجاوز الحدود التقليدية لوصف الملامح والشكل، ليغوص في الأعماق النفسية والرمزية فقد صور بذكاء اللحظة الإنسانية العميقة لضعف ود البُر، في مجلس الصلح حيث لم يصف وجهه، بل كشف عن صراعه الداخلي من خلال حركة يده المرتعشة مما جعله كائنا إنسانيا معقدا (عـض ود البُـر شـفته السـفلى، ورمـى بصـرة علـى الأرض……. وِبُكـم جلبابـه مسـح أثرهـا بيـد مرتعشة) كما أظهر الكاتب موهبة فنية في وصف شجرة الحرازة التي جعل منها رمزا حيا لمقاومة القرية وتجددها (فبعـد أن كانـت عاريـة الأوراق شــمخت حــرازة أم ِســِعد وأورقــت، ومزجــت خضرتهــا بلــون خُريمهــا الأصفــر الفاقـع لونـه يسـر الناظريـن. تقـاوم الطبيعـة بجـرأة واثقـة مـن نهجهـا المتفـرد، تتساقط أوراقهـا خريفـا وتخضـر صيفـا).
وعبر لوحة فنية رائعة صور الكاتب نجاح جمعية القرية (عقـد قيدهـا تنحـل عقـدة تلـوأخـرى تـرى نافـذة تطـل عبرهـا لأفـق الأمانـي، حالمـة بـه خجلـة ذات يـوم في ذات المـكان.) ليجمع الراوي بين الصورة البصرية (انحلال العقد النافذة) والمعنى المجرد (التحرر والأمل)، ليصوغ مشهدا يلامس القلب ويعبر عن لحظة تاريخية في حياة القرية.
5-الرمزية في الرواية: يستخدم الرواي رموز عميقة تخاطب العقل والوجدان لتعزيزمعانيها
– شجرة الحرازة: ليست مجرد شجرة، بل هي رمز محوري لسلطة القرية ومرجعيتها حيث تتخذ تحتها القرارات المصيرية.
– جبل الحريدان: ليس مجرد معلما جغرافيا، بل هو رمزا لهوية البطل “ود البُر” ويربط عنوان الرواية، “صقر الحريدان”، بين قوة البطل وجغرافية المكان مما يؤكد أن التنمية الريفية الحقيقية تنبع من أبنائها وتتجذر في أرضهم.
– كلاب ود البُر: ترمز إلى الأصالة والوفاء حال التزامها العهد معه وإلى الشراسة والعدوانية حال تنكرها لعهدها, وجذر الكاتب رمزيتها بصورة ذكية في أن جعل سلوكها يتماهى مع شخصيات بعينها في الرواية.
-المطامير المشققة: ترمز إلى هشاشة وتآكل نظام اقتصادي مجحف من الداخل وقرب انهياره.
6- بناء الشخصيات: لم تُصور شخصيات الرواية بشكل نمطي، بل جاءت على قدر كبير من العمق والتعقيد فليس فيها خير مُطلق ولا شر مُطلق.
– ود البُر ليس بطلا تقليديا مثاليا، بل شخصية منكسرة ومُحطمة دافعه لمواجهة الظلم ألمه الشخصي لفقدان زوجته وابنه معا مما يُظهر هشاشته الداخلية وقوته في آن واحد. وتصالحه مع أم حقين يمثل جزءا من رحلته نحو الشفاء والإنسانية.
– عجبين ومولانا الحمودي يمثلان الجانب الفكري المنظم في حركة التغيير حيث يرمز الأول إلى جيل الشباب الذي يؤمن بالتنظيم الحديث بينما يجسد الثاني التغيير من داخل المنظومة الدينية مما يمنحه قوة روحية.
-الشريف، وحاج عبد الباقي وعلي عِكو يُمثلون على التوالي أوجها مختلفة للسلطة التقليدية والنفوذ العشائري والسلطة الاقتصادية القائمة على الجشع. وانهيارعلاقاتهم يرمز إلى هشاشة الظلم الداخلية.
-الشخصيات النسائية:
أدت الشخصيات النسائية أدوارا حاسمة في دفع السرد وتعميق أبعاد الصراع، حيث مثلت كل شخصية منهن جانبا مختلفا:
-أم حقين: تُعد من أكثر الشخصيات النسائية تعقيدا في الرواية كانت غيرتها من ضرتها هي الدافع الرئيسي لسلوكها. لكن حاجتها لمساعدة ود البُر لإنقاذ أخويها شكلت نقطة تحول مفصلية في مسارها. بهذا التحول جسدت التناقض بين الماضي والحاضر مما يجعلها شخصية محورية في الرواية تُمثل صراعا بين الغيرة والرغبة في التغيير. (الغيرة والتحول).
-فاطمة: تجسد شخصيتها في الرواية (الأمل والمستقبل) بكلماتها البريئة “يا ود عمي” تُنهي تردد ود البُر وتدفعه لمسامحة أم حقين مستذكرا زوجته الراحلة. علاقتها المحتملة به تفتح له باباً جديدا في الحياة مؤكدة دورها كرمز للنور والأمل الذي يبدد حزنه.
-زينب: تعد شخصية زينب الأكثر تأثيرا في الرواية رغم غيابها الجسدي فهي ليست مجرد ذكرى، بل هي القوة الدافعة وراء كل أفعال ود البُر يُعتبر حزنه على فقدانها وفقدان ابنه هو المحرك الرئيسي لأحداث الرواية. قد تثير شخصية زينب جدلًا نقديا فغياب التفاصيل حولها يمكن أن يُنظر إليه كنقطة ضعف فنية لأنه يمنع تطورها كشخصية. لكن في المقابل قد يعتبر خيارا فنيا ذكيا جعل من غيابها رمزا لتضحية البطل مما سلط الضوء على قصة التغيير الاجتماعي وجعلها جوهر الرواية بدلا من الشخصيات الفردية.
– طيبة: هي شخصية مهمة في الرواية، رغم أنها لا تظهر بشكل مباشر. غير أن الغيرة التي تكنها لها أم حقين هي التي تدفع الأخيرة لاتخاذ قرارات حاسمة، مما يجعل طيبة محرّكاً رئيسياً للأحداث في القصة.
-جليلة : شخصيتها تجسد الإرادة المستقلة ونواة التمرد على السلطة التقليدية حيث تتخطى دورها الفردى لتصبح محايدة للهيمنة الذكورية والمجتمعية .يبرز دورها الرئيسي في كسر السردية الايدلوجية للشيخ برفضها القاطع قرار الزواج ،مما يعد انفصال عن التبعية ورفضها ان تكون سلعة لتثبيت النفوذ الاقتصادي للطبقة المسيطرة ،هذا الموقف يمثل مصدر قوة بديل حيث تتحول مشكلتها الشخصية الى مبرر أخلاقي لمقاومة الشباب والمزارعين ضد نظام “الشيل” مؤكدا أنهاء قيود الهيمنة بالوعي والإرادة الحرة.
7-اسماء الشخصيات: ما بين الرمزية والواقعية: يُبرز الكاتب براعة فنية في اختيار أسماء شخصياته، حيث لم تكن مجرد تسميات عابرة، بل جزءا أصيلا من النسيج الفني للرواية. فقد أحدث توازنا ذكياً بين الأسماء الرمزية والواقعية لتعميق الدلالة. يحمل اسم ود البُر دلالة روحية مباشرة، فهو حرفيا “ابن البر”، وهذا يمهد لدوره كقائد صالح يسعى لتحقيق الخير لقريته. بينما يمثل اسم شيخ الشريف مفارقة ساخرة، إذ يرمز إلى نظام فاسد يرتدي ثوب النبل والشرف وفي الوقت نفسه يمارس الاستغلال مما يجسد النفاق الاجتماعي. هذه الأسماء المحورية هي التي تحمل على عاتقها الرسالة الفلسفية للرواية. في المقابل اختار الكاتب الأسماء الأخرى مثل فاطمة وأم حقين وعلي عِكو، حسين، النور، الحربي الخ بعناية لتعكس بساطة البيئة وواقعيتها، مما يبقي القارئ متصلا بالواقع الاجتماعي الحقيقي ويضفي على الرواية عمقا إنسانيا فريدا.
8- البعد الجغرافي للرواية: تصوِر الرواية صراعا محوريا في المكان حيث قرية أم سعد ليست مجرد خلفية للأحداث، بل تشهد صراعا بين جغرافيا تقليدية تجسدها مزارع الأغنياء كمراكز للسيطرة وجغرافيا التغيير التي تمثلها الجمعية التعاونية والجسر (الكبرى) كرموز للتحرر. هذا التطور الملموس في الأماكن يوضح أن التنمية الريفية ليست مجرد فكرة، بل هي تحول حقيقي في جغرافية المكان ذاته. وتبرز الرواية أن المكان عنصر حيوي في بنية السرد فهو ليس ثابتا، بل يتطور مع المجتمع كما تظهر تأثير الجغرافيا على العلاقات الاجتماعية فنظام ملكية الأراضي كان أساس الصراع بينما ساهمت الهجرة والعمل في الكوبري في تحرير الناس من سيطرة الأغنياء. وأصبحت أماكن التجمع مثل شجرة الحرازة والزاوية مراكز حيوية لاتخاذ القرارات وحل النزاعات.
9- نهاية الرواية: تقدم نهاية الرواية مشهدا يحمل في طياته التفاؤل والرمزية، ولكنها تظل مفتوحة، مما يمنحها بعدا واقعيا، حيث تُجسد انتصارا رمزيا لمفهوم التكافل والعمل الجماعي على حساب الاستغلال (مشهد رفع كأس التميز) وتؤكد أن التغيير ينبع من إرادة أهل القرية أنفسهم. كما تُظهر النهاية أن التغيير ليس خطة محكمة، بل هو مسار عفوي وإنساني، وهو ما يتجلى في التفاصيل الصغيرة التي تكسر رسمية الحدث (مثل وضع الخروف في صندوق السيارة) ومع أن النهاية كانت متوقعة إلا أن ذلك يثبت اتساق أحداث الرواية مع مسارها المخطط. على الرغم من التوقعات، يبرز الراوي مهارة فنية عالية في استخدام الرمزية يرمز نهيق حمار العنافي إلى الوفاء، بينما يشير هروب الكلاب إلى أن التغيير لا يعني استعادة الماضي بأكمله مما يضفي على النهاية مسحة من المرارة المختلطة بالتفاؤل.
10- نقاط القوة:
أبرز نقاط قوة الرواية توظيفها البارع للرمزية ،مما تمنحها بعدا فلسفيا عميقا، يتجاوز مجرد السرد المباشر للأحداث.
تُظهر الرواية بذكاء أن التنمية ليست فكرة مجردة، بل صراع مكاني حقيقي.
استخدام الكاتب للهجة العامية ببراعة أضاف ثراءً وأصالة إلى النص الأدبي. فقد أبدع في خلق توازن فريد بين فصاحة السرد وأصالة الحوار العامي، الأمر الذي منح الرواية شخصية مميزة تعكس بصدق جوانب التنمية الريفية. كشف هذا المزيج عن مهارة الكاتب في تجاوز القواعد الأدبية التقليدية، وصولاً إلى أسلوب أكثر صدقًا وفعالية.
يُعزز استخدام الأمثال الشعبية في الرواية من واقعيتها وصدقها الاجتماعي. ويضفي على الشخصيات طابعًا محليا فريدا ويجعلها مرآة صادقة للمجتمع السوداني.
يستخدم الراوي الوصف الجسدي للشخصيات ببراعة كأداةللتعبير عن أبعادها الاجتماعية والنفسية.
تُقدم الرواية نقداً اجتماعياً واقتصادياً قوياً يتجاوز مجرد سرد الأحداث، حيث تكشف بوضوح عن نظام “الشيل” الاستغلالي. كما تُبين كيف يمكن للوعي الجماعي والعمل المنظم عبر الجمعية التعاونية أن يحرر الناس من الفقر.
11- بعض المآخذ على الرواية:
على الرغم من قوة الرواية وثرائها إلا أن هناك بعض النقاط كان من الممكن إثراؤها بشكل أكبر تتمثل في:
بدت شخصيات المنظومة التقليدية، مثل شيخ الشريف، أحادية البعد، فدوافعهم البسيطة التي تدورحول المصلحة الذاتية، تقلل من تعقيد الصراع، وتجعله يبدو مجرد مواجهة بين الخير والشر.
يُعد غياب بعض الشخصيات المحورية مأخذا على الرواية. فبينما تعد شخصية زينب دافعا رئيسيا لأحداثها، يقتصر حضورها على ذاكرة البطل. كان من الممكن للكاتب أن يمنحها مساحة أكبر في بداية الرواية، لإبراز عمق أثر فقدها على بطل الرواية بشكل أكثر تأثيرا، مما يعزز مشهد الصلح في الجزء الأخير من العمل.
يبدو أن الصراع مع شخصيات مثل علي عِكو وحاج عبد الباقي وشيخ الشريف قد انتهى بشكل مثالي، لان استسلامهم المفاجئ لا يتوافق مع طبيعة النزاع الطويل.
لإضفاء مزيد من التشويق، كان من الممكن للكاتب أن يدخل صراعات مفاجئة ليجعل مسار الأحداث غير قابل للتنبؤ ويُبقي القارئ في حالة من الترقب المستمر لمصير الشخصيات. وهذا بدوره يعزز من قوة حبكة الرواية.
على الرغم من التصاعد المتقن للصراع، إلا أن نهاية الرواية تبدو متسارعة.. فالمواجهة الحاسمة بين ود البُر وشيخ الشريف لم تُعط حقها في السرد كما أن مصير الأغنياء بعد هزيمتهم لم يُفصل بشكل كافٍ. هذا التسارع قد يترك لدى القارئ شعورا بعدم الرضا ورغبةً في المزيد من التفاصيل.
خاتمة:
تعدّ رواية “صقر الحريدان” عملاً أدبياً متميزاً يستحق التقدير. فقوتها تكمن في رمزيتها العميقة وأصالتها، كما ان رسالتها القوية تؤكد أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل وأن الإنسان وبيئته عنصران متلازمان لا ينفصلان. ولمن أراد الاطلاع على الرواية فهي متاحة في موقع مركز بحوث ودراسات دول حوض البحر الأحمر.
دار آريثيريا للنشر والتوزيع (https://rsbcrsc.net/books/book?page=27)
،
