لطالما كانت السياسة حقلًا مليئًا بالتحديات والصعاب، ولكنها في بعض الدول تصبح ساحة لاختبار الإنسان وحُسن نيته تجاه شعبه وأمته. السياسة في السودان لا تختلف كثيرًا عن هذا النموذج، إلا أنها شهدت في السنوات الأخيرة تحولاتٍ عميقة أدت إلى تعقيد المشهد وتكريس الصراعات والانقسامات.
في مستهل هذا الحديث، يجدر بنا أن نستذكر القائلين بأن “السياسة هي فن الممكن”، وهو مبدأ يبدو بعيد المنال في ظل الأوضاع السودانية الحالية. فالسياسة السودانية ليست فقط فن الممكن، بل أيضًا ميدان يغلب فيه النفوذ والسلطة على المبادئ والقيم، ليصبح التنافس الشخصي هو الحاكم والمسيطر على المشهد.
يمكن القول أن بعض الساسة السودانيين، وللأسف، تجاوزوا حدود الأخلاق السياسية وانجرفوا إلى مستنقع المصالح الشخصية والاتفاقات الظرفية الهشة التي تنهار أمام أول اختبار جاد.السياسي السوداني: رمز للجدلية في ساحة معقدة: يحضرني هنا مشهد يجسد الفوضى السياسية في السودان، حيثُ يظهر السياسي السوداني كمن يأكل مع الذئب ويبكي مع الراعي.
هذه الصورة الرمزية تعكس مدى التناقض العميق في أفعال ومواقف السياسيين السودانيين؛ فهم يجيدون التلون وفقًا للظروف، وتظهر كلماتهم محملة بالعسل لكنها تخفي في طياتها السم، في مزيجٍ من الخطابات المؤثرة التي تستثير عواطف الشعب، إلا أنها سرعان ما تتحول إلى مجرد كلماتٍ جوفاء عند اختبارها على أرض الواقع.
ربما هو طبع الجهل ببعض القيم السياسية الأساسية أو هو التخاذل في البحث عن مصلحة البلاد الحقيقية، حيثُ يصارعون على السلطة بلا رؤية مستقبلية واضحة، فيضيع المواطن بين نار الطموحات الفردية وأوهام التغيير. في ظل هذه التحديات، تظل وعود الساسة وتطلعاتهم بعيدة عن مصلحة الشعب، فيتحول حقل الزرع الذي وُعد به الناس إلى خراب، ويتبدل الحلم بحياة كريمة إلى رماد، وكأن السياسة السودانية لم تعد تُعنى إلا بما يخدم القلة وينسف حياة الملايين.
التطلعات الشبابية وموقف الطلاب من السياسة السودانية:لطالما كانت شريحة الشباب السوداني، وخصوصًا الطلبة الذين يمثلون نخبة المستقبل، هم من يتطلعون بشغف إلى إصلاح أوضاع بلادهم وتحقيق الرخاء والعدالة. إلا أن السياسة السودانية الحالية تظل نموذجًا محبطًا؛ فالشباب، ومن بينهم الطلاب المتخصصون في مجال السياسة، يجدون أنفسهم أمام واقع مليء بالفساد والاستغلال. هم يشاهدون على مرأى عيونهم كيف تضيع أحلامهم وتتبخر آمالهم في غياهب اللعبة السياسية التي يديرها أناس لا يتورعون عن التنازل عن القيم من أجل مصالحهم الخاصة.
في استقصاء متأمل للوضع السياسي، يعترف البعض منهم أن السياسة السودانية تعكس أسوأ أشكال الصراع والمنافسة. هي سياسة تقوم على تقديم المصلحة الشخصية على الصالح العام، بل يصل الأمر إلى حد اعتبار السياسيين فيها كـ “القردة في الغابة”؛ تحكمهم غرائزهم وأطماعهم، ولا تحكمهم مبادئ الوطنية أو النزاهة.
بين الألم والأمل: هل هناك مستقبل أفضل للسودان؟
في ظل هذا المشهد القاتم، يتساءل البعض وأنا واحر منهم بقلوب مفعمة بالقلق: هل يمكن أن يشهد السودان فجرًا جديدًا؟ قد يبدو السؤال مُحبطًا، ولكن التاريخ مليء بالأمثلة على أن الشعوب حين تلتف حول قيادات واعية ونزيهة قادرة على تجاوز المحن والانتصار للخير العام، فإن التغيير ممكن. لا يزال هناك أمل أن يرتقي الساسة إلى مستوى التحديات التي تواجهها البلاد، وأن يدركوا أن السياسة ليست فن التحايل، بل مسؤولية تجاه أمة وشعب.
قد حان الوقت لتغيير النهج والبحث عن سبل لتحقيق الاستقرار والتنمية، فالشعب السوداني يستحق حياة كريمة ومستقبلًا واعدًا. ومع وجود جيل من الشباب الطموح والواعي، يبقى الأمل أن تحمل الأيام القادمة قيادات قادرة على تحويل الأحلام إلى واقع، ليصبح السودان رمزًا للسلام والرخاء.
